العراقيون ينتظرون الوقت الضائع.. ويشكون: السياسيون ضيعوا أحلامنا

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
19/05/2010 06:00 AM
GMT



يعيش العراقيون في انتظار ما «سوف» لن يحدث، وفي أحسن الأحوال فإن ما ينتظرونه لا يبدو أنه سيحدث قريبا، فالانتظار هو السمة التي باتت تميز أبناء هذا البلد، وفي الكثير من المحطات يشعر العراقيون بأنه انتظار عبثي. فما انتظروه من وعود قيادات المعارضة التي تسلمت السلطة في بغداد لم يتحقق أغلبها، إن لم نقل جميعها، سوى الانتخابات. وهذه الانتخابات لم تأت لهم بأي تغيير، خاصة في الخدمات والأوضاع الاقتصادية والأمنية.
وعلى هذا الأساس لم يحصد العراقيون سوى «سوف» و«سنحقق» حتى بعد أن استجابوا لنداءات القيادات السياسية وشاركوا في الانتخابات. فالنتائج التي أفرزتها هذه الانتخابات، وعلى ما يبدو، لم تغير في واقع الحال، والأسئلة التي تتفجر في داخل العراقيين كثيرة ومتشعبة ومتشابكة يصعب الإمساك برأس الخيط فيها، حسب التعبير العراقي الدارج، أسئلة تعد مصيرية في حياة الناس، من قبيل: من سيكون رئيسا للحكومة؟ وهل سيتحالف الائتلاف الوطني العراقي وائتلاف دولة القانون؟ ومن سيكون زعيم هذا التحالف وتحت أي تسمية وما هو برنامجه؟ وماذا سيكون مصير القائمة العراقية؟
ولأجوبة هذه الأسئلة علاقة بمصائر الناس والأوضاع الأمنية والاقتصادية.
بعد أقل من عام من آخر زيارة للعراق، ترصد «الشرق الأوسط» مجددا، وعن كثب، الوضع في الشارع العراقي الذي لخصه ببلاغة وببساطة المواطن عباس علي بقوله «نحن نعيش في الوقت الضائع»، وهو سائق في إحدى الشركات التجارية الكبيرة والخاصة ببغداد وهو أيضا خريج معهد النفط وحائز على دبلوم في تكنولوجيا النفط. ويضيف علي «كنا ننتظر أن تتحسن الظروف بعد تغيير النظام وإذا بنا نكتشف أن الأمس كان أفضل من اليوم، والغد ربما أسوأ من اليوم، حتى وصلنا إلى نقطة صعبة، وهي أنه لم يعد لنا ما ننتظره، سوى أن نعمل ونعيل عائلاتنا، مع أن فرص العمل شحيحة، إن لم تكن نادرة». ويقول «أنا درست لعامين في مجال النفط، التنقيب وحفر الآبار، ويفترض أن يكون هذا الاختصاص اليوم مرغوبا جدا وللغاية في بلد نفطي مثل العراق، لكنني لم أجد أي فرصة عمل كسائق في هذه الشركة وقد حصلت على هذه الفرصة بواسطة صديق لي».
كان عباس علي يأمل في إكمال دراسته في كلية الهندسة «حتى أصبح مهندسا في مجال النفط، كون العمل في هذا القطاع له مستقبله الكبير والواسع، لكن هذه الفرصة وهذا الحلم ضاع مثل غيره، وكلما مر يوم تبخرت أحلام أخرى»، ملقيا اللوم على السياسيين «الذين أغلقوا علينا بوعودهم الفرص لأن نحقق بعض الشيء لبلدنا ولأنفسنا».
ويعمل عباس سبعة أيام في الأسبوع، وفي أيام عديدة تمتد ساعات عمله حتى منتصف الليل، ويقول «أنا أسابق الزمن كي أكسب المزيد من المال». وعندما تتاح له إجازة من العمل خاصة عندما يسافر رب عمله إلى خارج العراق فإنه يقضي جل وقته بين عائلته وشارع المتنبي ويقول «أنا أعشق الكتب، والقراءة هي منقذي الوحيد من ضغوط الحياة، وأنا كنت أكتب القصة القصيرة عندما كنت في الدراسة الثانوية، وحتى في دراستي بالمعهد لكنني تركت كل هذا ولجأت إلى قراءة كل ما يقع بين يدي».
العراقيون كانوا يأملون أن تغير الانتخابات التشريعية الأخيرة بعض الشيء في مجريات حياتهم، فوعود المرشحين كانت كبيرة، تلك الوعود التي ما زالت معلقة كلافتات دعائية ولم ترفع من شوارع بغداد، لافتات ووعود غطتها وكنست بعضها العواصف الترابية. صور قادة سياسيين وتحتها وبالخط العريض طبعت كلمات رنانة تبشر بفرص عمل وتوفير الأمن وتحسين الخدمات وفي مقدمتها إعادة التيار الكهربائي الذي صار زائرا منتظرا في بيت العراقيين وهم في حمأة صيف يبشر بالكثير من الأتربة وارتفاع درجات الحرارة، لكن علاقة خدمات الكهرباء والمواطن العراقي هي علاقة حب من طرف واحد، من طرف المواطن بالتأكيد. ما تغير في بغداد هو ازدياد الحواجز والجدران الكونكريتية بلونها الإسمنتي الكالح الذي يزيد من قتامة المشهد الحياتي والسياسي، حركة الناس وحدها هي التي تعطي شعورا بالحياة في مدينة كانت توصف بأنها أو ميزتها أنها حيوية. والناس الذين يقاومون كل الظروف السيئة، بما فيها الظروف الجوية التي تهديهم كل هذه الأتربة التي تعلو وجوه العراقيين، لا أحد يعرف متى وكيف ستنفد طاقتهم للتحمل، فهم (العراقيون) أعطوا كل الفرص للسياسيين، لكن هؤلاء (السياسيين) يتحركون ببطء لا يتناسب وسرعة تفاعل طاقة التحمل والصبر في نفوس الشعب.
الزمن هنا بطيء، يمشي بهدوء ويتوقف في أحيان كثيرة، تماما مثل حركة السيارات التي تعد المعضلة الأكبر التي يعاني منها الناس وذلك بسبب مضاعفة نقاط التفتيش (السيطرات الأمنية)، ففي مناطق معينة من بغداد تكاد المسافة بين نقطة تفتيش وأخرى لا تبعد سوى خمسمائة متر، لهذا هناك طوابير إثر طوابير من السيارات التي تنتظر المرور من خلال خرم إبرة هذه السيطرات. والمسافة التي يمكن أن يقطعها أي سائق سيارة خلال عشر دقائق، يستغرقها اليوم خلال ما يقرب من 45 دقيقة.
وحسب يوسف إسماعيل، سائق سيارة أجرة، فإن «هذه السيطرات أو نقاط التفتيش عقوبة إضافية للعراقيين»، وقال خلال انتظارنا في نقطة تفتيش بجانب الكرخ «انظر، إنهم لا يزالون يستخدمون هذه الأجهزة المزيفة التي من المفترض أن تكشف المتفجرات لكنها لا تكشف سوى إذا كان سائق السيارة أو أحد ركابها قد وضع عطرا أم لا، ثم إن ضجة كانت حول عدم صلاحية هذه الأجهزة»، ويزيد قائلا «هناك الكثير من نقاط التفتيش التي لا يستخدمون فيها هذه الأجهزة، بل يكتفي الشرطي أو الجندي النظر في وجوه السائقين ولا ندري كيف سيكتشف وجود متفجرات في السيارة من عدمه، هل سيستخدم فراسته في ذلك، أم أنه سيخمن من خلال نظراته، أو أنه في أحسن الأحوال سيلجأ للتنجيم، بدليل أننا لم نسمع أنهم ألقوا القبض على سيارة مفخخة أو إرهابي في هذه النقاط». ويرى إسماعيل أن «تجمع العشرات من السيارات في نقاط التفتيش يعطي فرصة أكبر للإرهابيين بإيقاع خسائر جسيمة في أرواح الناس فيما لو فجر نفسه أو سيارته قرب نقطة تفتيش أو وسط هذه الطوابير».
لكن مسؤولا أمنيا أوضح أن «مهمة هذه النقاط هي السيطرة على حركة السيارات المشكوك بها، وعدم منح أي فرصة لسيارة مفخخة أو انتحاري للتحرك بسهولة في الشوارع». وأضاف المسؤول الأمني، الذي رفض نشر اسمه، قائلا «إذا ما تم رصد سيارة مفخخة أو إرهابي يقود سيارة ما فسوف يتم على الفور إبلاغ نقاط التفتيش للقبض على هذا الإرهابي بأسرع ما يمكن». وهذا المسؤول لا يتفق مع ما ذهب إليه سائق سيارة الأجرة من أن هذه النقاط لم تحقق أي إنجاز أمني، ويقول «على العكس من ذلك، فهذه النقاط حدت من حرية حركة الإرهابيين، وعند بعضها ألقي القبض على إرهابيين يقودون سيارات مفخخة، وعناصر الأمن في هذه النقاط دفعوا حياتهم ثمنا من أجل استقرار الأمن».